وهبة الزحيلي
170
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
2 - كان جديرا بهم أن يشكروا نعم اللّه وما رزقهم بالطاعة ، فضلا عن أن الرسل قالت لهم ذلك ، فهذه أي مأرب بلدة طيبة ، أي كثيرة الثمار ، معتدلة المناخ ، لطيفة الهواء ، بعيدة عن المؤذيات ، والمنعم بهذه النعم عليهم ربّ غفور يستر ذنوبهم ، فجمع اللّه تعالى لهم بين مغفرة ذنوبهم وطيب بلدهم ، ولم يجمع ذلك لجميع خلقه . 3 - لقد خيبوا ما يظن بهم ، فأعرضوا عن أمر ربهم واتباع رسله بعد أن كانوا مسلمين ، فأرسل عليهم سيل العرم ، أي نقض سدّ مأرب ، فتدفقت المياه المدرارة الغزيرة ، فغرّقت بساتينهم ، ودفنت بيوتهم ، فيبست الأشجار المثمرة ، ونبت مكانها أشجار مرّة لا خير فيها من الخمط أي الأراك ، والأثل : وهو كما قال الفراء : شجر شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه طولا ، والسّدر وهو نوعان : نوع له ثمر عفص لا يؤكل ، وهو الذي يسمى الضّال ، ونوع ينبت على الماء وثمره النّبق ، وورقه يشبه شجر العنّاب . قال قتادة : بينما شجر القوم من خير شجر إذ صيّره اللّه تعالى من شرّ الشجر بأعمالهم ، فأهلك أشجارهم المثمرة ، وأثبت بدلها الأراك والطّرفاء والسّدر . 4 - هذا التبديل من النعمة إلى النقمة جزاء كفرهم ، ولا يعاقب بهذا إلا المبالغ في كفران النعمة والكفر باللّه تعالى . وتساءل الزمخشري والقرطبي : لم خص اللّه تعالى المجازاة بالكفور ، ولم يذكر أصحاب المعاصي ؟ والجواب أن المراد : هو الجزاء الخاص وهو العقاب بالاستئصال والإهلاك ، وليس المراد : الجزاء العام الذي يشمل الكافر والمؤمن . هذا في الدنيا ، وأما في الآخرة فقالت عائشة رضي اللّه عنها : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من حوسب هلك « 1 » ، فقلت : يا نبي اللّه ، فأين قوله جلّ وعزّ : فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً قال : إنما ذلك العرض ، ومن نوقش الحساب
--> ( 1 ) ورواه الترمذي عن أنس : « من حوسب عذب » .